ضياء الدين نصر الله بن محمد ابن الأثير الجزري الموصلي ( ابن الأثير الموصلي )

349

المثل السائر في أدب الكاتب والشاعر

حكمه ، وأعرب بقوله هذا عن متانة علمه ؛ فإن أبا عبادة أتى في شعره بالمعنى المقدود من الصخرة الصماء ، في اللفظ المصوغ من سلاسة الماء ، فأدرك بذلك بعد المرام ، مع قربه إلى الأفهام ، وما أقول إلا أنه أتى في معانيه بأخلاط الغالية ، ورقى في ديباجة لفظه إلى الدرجة العالية . وأما أبو الطيب المتنبي فإنه أراد أن يسلك مسلك أبي تمام فقصرت عنه خطاه ، ولم يعطه الشعر من قياده ما أعطاه ، لكنه حظي في شعره بالحكم والأمثال ، واختصّ بالإبداع في وصف مواقف القتال ، وأنا أقول قولا لست فيه متأثما ، ولا منه متلثما ، وذاك أنه إذا خاض في وصف معركة كان لسانه أمضى من نصالها ، وأشجع من أبطالها ، وقامت أقواله للسامع مقام أفعالها ، حتى تظن الفريقين قد تقابلا ، والسلاحين قد تواصلا ، فطريقه في ذلك تضلّ بسالكه ، وتقوم بعذر تاركه ، ولا شك أنه كان يشهد الحروب مع سيف الدولة ابن حمدان فيصف لسانه ، ما أدّى إليه عيانه ، ومع هذا فإني رأيت الناس عادلين فيه عن سنن التوسط ، فإما مفرط في وصفه وإما مفرّط ، وهو وإن انفرد بطريق صار أبا عذره ، فإن سعادة الرجل كانت أكبر من شعره ، وعلى الحقيقة فإنه خاتم الشعراء ، ومهما وصف به فهو فوق الوصف وفوق الإطراء ، ولقد صدق في قوله من أبيات يمدح بها سيف الدولة « 1 » : لا تطلبنّ كريما بعد رؤيته * إن الكرام بأسخاهم يدا ختموا ولا تبال بشعر بعد شاعره * قد أفسد القول حتّى أحمد الصّمم ولما تأملت شعره بعين المعدلة البعيدة عن الهوى ، وعين المعرفة التي ما ضل صاحبها وما غوى ، وجدته أقساما خمسة ؛ خمس في الغاية التي انفرد بها دون غيره ، وخمس من جيد الشعر الذي يساويه فيه غيره ، وخمس من متوسط الشعر ، وخمس دون ذلك ، وخمس في الغاية المتقهقرة التي لا يعبأ بها وعدمها خير من

--> ( 1 ) من قصيدة له أولها : عقبى اليمين على عقبى الوغى ندم * ما ذا يزيدك في إقدامك القسم وفي اليمين على ما أنت واعده * ما دلّ أنّك في الميعاد متّهم